ابن عجيبة
46
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ ؛ فالهدى لإصلاح الظواهر بالشرائع ، والنور لإصلاح الضمائر بالعقائد الصحيحة والحقائق الربانية ، وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ بتقرير أحكامها ، والشهادة على صحتها ، وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ أي : وإرشادا وتذكيرا للمتقين ؛ لأنهم هم الذين ينفع فيهم الموعظة والتذكير ، دون المنهمكين في الغفلة ، قد طبع اللّه على قلوبهم فهم لا يسمعون . ثم أمر اللّه أهل الإنجيل بالحكم بما فيه ، فقال : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ من الأحكام ، وقرأ حمزة : ( وليحكم ) بلام الجر ؛ أي : وآتيناه الإنجيل ليحكم أهل الإنجيل بما فيه ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ؛ الخارجون عن طاعة الحق . قال البيضاوي : والآية تدل على أن الإنجيل مشتملة على الأحكام ، وأن اليهودية منسوخة ببعث عيسى عليه السّلام ، وأنه كان مستقلا بالشرع . وحملها على : وليحكموا بما أنزل اللّه ، فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة خلاف الظاهر . ه . الإشارة : قد جمع اللّه في هذه الأمة المحمدية ما افترق في غيرها في الأزمنة المتقدمة ، فعلماؤها وأولياؤها كالأنبياء والرسل ، كلما مات عالم أو ولى قفاه اللّه بآخر ، أما العلماء فأمرهم متفق وحالهم متقارب ، فمدار أمرهم على تحصيل العلوم الرسمية والأعمال الظاهرية ، وأما الأولياء - رضى اللّه عنهم - ، فأحوالهم مختلفة ، فمنهم من يكون على قدم نوح عليه السّلام في القوة والشدة ، ومنهم من يكون على قدم إبراهيم عليه السّلام في الحنانة والشفقة . ومنهم من يكون على قدم موسى عليه السّلام في القوة أيضا ، ومنهم من يكون على قدم عيسى عليه السّلام في الزهد والانقطاع إلى اللّه تعالى ، ومنهم من يكون على قدم نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو أعظمهم لجمعه ما افترق في غيره ، وكل واحد يؤتيه اللّه نورا في الباطن يجذب به القلوب إلى الحضرة ، وهدى في الظاهر يصلح به الظواهر في الشريعة . واللّه تعالى أعلم . ثم شرع يتكلم مع الأمة الإسلامية المحمدية ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 48 ] وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 48 ) قلت : ( مهيمنا ) أي : شاهدا ، والشرعة والمنهاج : قال ابن عطية : معناهما واحد ، وقال ابن عباس : أي : سبيلا وسنة . قلت : والظاهر : أن الشرعة يراد بها الأحكام الظاهرة ، وهي التي تصلح الظواهر ، والمنهاج يراد به علوم الطريقة الباطنية ، وهي التي تصلح الضمائر ، وهو مضمن علم التصوف .